الآلوسي

143

تفسير الآلوسي

عدّتها إلا يومين أو ثلاثة راجعها ثم طلقها ففعل ذلك بها حتى مضت لها تسعة أشهر يضارها فأنزل الله تعالى هذه الآية * ( وَلاَ تُمْسكُوهُنَّ ضَراراً ) * تأكيد للأمر - بالإمساك بالمعروف - وتوضيح لمعناه وهو أدل منه على الدوام والثبات ؛ وأصرح في الزجر عما كانوا يتعاطونه ، و ( ضراراً ) نصب على العلية أو الحالية أي لا ترجعوهن للمضارّة أو مضارين ، ومتعلق النهي القيد - واللام - في قوله تعالى : * ( لِّتَعْتَدُواْ ) * متعلق ب * ( ضراراً ) * أي لتظلموهن بالإلجاء إلى الافتداء ، واعترض بأن - الضرار - ظلم - والاعتداء - مثله فيؤول إلى : ولا تمسكوهن ظلما لتظلموا وهو كما ترى ، وأجيب بأنّ المراد - بالضرار - تطويل المدة - وبالاعتداء - الإلجاء ، فكأنه قيل : لا تمسكوهنّ بالتطويل لتلجئوهنّ إلى الاختلاع والظلم قد يقصد ليؤدّي إلى ظلم آخر ، والمشهور أن هذا الوجه متعين على الوجه الأوّل في * ( ضراراً ) * ولا يجوز عليه أن يكون هذا علة لما كان هو له إذ المفعول له لا يتعدّد إلا بالعطف ، أو على البدل - وهو غير ممكن لاختلاف الإعراب - ويجوز أن يكون كذلك على الوجه الثاني ، وجوّز تعلقه بالفعل مطلقاً إذا جعلت - اللام - للعاقبة ، ولا ضرر في تعدّي الفعل إلى علة وعاقبة لاختلافهما وإن كانت - اللام - حقيقة فيهما على رأي . * ( وَمَن يَفْعَلْ ذالكَ ) * المذكور وما فيه من البعد للإيذان ببعد منزلته في الشر والفساد * ( فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) * بتعريضها للعذاب ، أو بأن فوّت على نفسه منافع الدين من الثواب الحاصل على حسن المعاشرة ، ومنافع الدنيا من عدم رغبة النساء به بعد لاشتهاره بهذا الفعل القبيح * ( وَلاَ تَتَّخذُواْ ءَآيَات الله ) * المنطوية على الأحكام المذكورة في أمر النساء أو جميع آياته وهذه داخلة فيها * ( هُزُواً ) * مهزوءاً بها بأن تعرضوا عنها ، وتتهاونوا في المحافظة عليها لقلة اكتراثكم بالنساء وعدم مبالاتكم بهن ، وهذا نهي أريد به الأمر بضده ، أي جدّوا في الأخذ بها والعمل بما فيها وارعوها حق رعايتها . وأخرج ابن أبي عمرة وابن مردويه عن أبي الدرداء قال : كان الرجل يطلق ثم يقول : لعبت ويعتق ، ثم يقول : لعبت فنزلت ، وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاث هزلهنّ جد النكاح والطلاق والرجعة " وعن أبي الدرداء : " ثلاث اللاعب فيها كالجاد ، النكاح والطلاق والعتاق " وعن عمر رضي الله تعالى عنه : " أربع مقفلات النذر والطلاق والعتق والنكاح " . * ( واذْكُرُواْ نعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ ) * أي قابلوها بالشكر والقيام بحقوقها - والنعمة - إمّا عامة فعطف * ( وَمَا أُنْزلَ عَلَيْكُم ) * عليها من عطف الخاص على العام ، وإمّا أن تخص بالإسلام ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وخصا بالذكر ليناسب ما سبقه ، وليدل على أن ما كانوا عليه من الإمساك إضراراً من سنن الجاهلية المخالفة ، كأنه لما قيل : جدّوا في العمل بالآيات على طريق الكناية أكد ذلك بأنه شكر النعمة فقوموا بحقه ، ويكون العطف تأكيداً على تأكيد لأن الإسلام ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم يشملان إنزال الكتاب والسنة - وهو قريب من عطف التفسير - ولا بأس أن يسمى عطف التقرير ، قيل : ولو عمم النعمة لم يحسن موقعه هذا الحسن ، ولا يخفى أنه في حيز المنع ، والظرف الأوّل متعلق بمحذوف وقع حالاً من نعمة أو صفة لها على رأي من يجوّز حذف الموصول مع بعض الصلة ، ويجوز أن يتعلق بنفسها إن أريد بها الإنعام لأنها اسم مصدر كنبات من أنبت ولا يقدح في عمله - تاء التأنيث - لأنه مبني عليها كما في قوله :